أبو علي سينا
300
رسائل ( ط بيدار )
فعل الملك * ومنهم من وافق عمله عمل الشيطان فهلك لأن الانسان لم يحصل عن شيء واحد ليكون له حكم واحد بل ركبه اللّه تعالى من الأشياء المتفاوتة والأمزجة المختلفة وقسم جوهريته بالبساطة والجسامة بدنا وروحا وعينه بالحس والعقل سرا وعلنا * ثم زين ظاهره وعلنه وبدنه بزينة الحواس الخمس في أوفى رتبة وأوفر نظام واختار من باطنه وسره ما هو أشرف وأقوى فأسكن الطبيعىّ في الكبد لمصلحة الهضم والدفع والجذب والمنع وتسوية الأعضاء وتبديل الأجزاء المتحللة بالتغذية وقرن الحيوانىّ بالقلب مربوطا بقوتى الشهوة والغضب لموافقة الملائم ومخالفة ما ليس بملائم وجعله ينبوع الحواس الخمس ومنشأ الخيال والحركة ثم هيأ النفس الانسانية الناطقة في الدماغ وأسكنه أعلى محل وأوفق رتبة وزينه بالفكر والحفظ والذكر وسلط الجوهر العقلي عليه ليكون أميرا والقوى جنوده والحس المشترك بريده وهو واسطة بينه وبين الحواسّ وهي جواسيسه على باب المرتبة يسافرون بالأوقات إلى عالمهم ويلتقطون ما تساقط من أشكالهم ويوصلونه إلى البريد الخاص ليرفع مختوما مستورا إلى قوة العقل فيميز ويختار ما يوافقه ويطرح ما ليس بخالص فالإنسان بهذه الأرواح من جملة العالم وبكل قوة يشارك صنفا من الموجودات . وبالحيوانىّ يشارك الحيوانات وبالطبيعىّ يشارك النبات . وبالانسانى يوافق الملائكة . ولكل واحدة من هذه القوى أمر خاص وفعل لازم ومهما غلب واحد على الآخرين يحد الانسان بذلك الأمر الغالب ويتصل نسبه بحسب ادراكه إلى جنسه